الخطيب الشربيني
340
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
التقوى إذا انفردت في القرآن عن مقارن عمت الأمر والنهي ، وإن اقترنت بغيرها نحو إحسان أو رضوان خصت المناهي يَجْعَلْ أي : بسبب التقوى لَهُ مَخْرَجاً جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق بالوعد على اتقائه عما نهى عنه صريحا أو ضمنا من الطلاق في الحيض والإضرار بالمعتدة وإخراجها من المسكن ، وتعدي حدود الله تعالى . روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم « سئل عمن طلق ثلاثا أو ألفا هل له من مخرج فتلاها » « 1 » وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والثعلبي والضحاك : هذا في الطلاق خاصة ، أي : من طلق كما أمره الله تعالى يكن له مخرج في الرجعة في العدة ، وأن يكون كأحد الخطاب بعد العدة . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضا : يجعل له مخرجا ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة ، وقيل : المخرج هو أن يقنعه الله بما رزقه ، قاله علي بن صالح . وقال الكلبي : ومن يتق الله بالصبر عند المصيبة يجعل له مخرجا من النار إلى الجنة ، وقال الحسن : مخرجا مما نهى اللّه عنه ، وقال أبو العالية : مخرجا من كل شدة ، وقال الربيع بن خيثم : مخرجا من كل شيء ضاق على الناس ، وقال الحسين بن الفضل : ومن يتق الله في أداء الفرائض يجعل له مخرجا من العقوبة . وَيَرْزُقْهُ أي : الثواب مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ أي : يبارك له فيما أتاه ، وقال سهل ابن عبد الله : ومن يتق الله في اتباع السنة يجعل له مخرجا من عقوبة البدع ، ويرزقه الجنة من حيث لا يحتسب ، وقال أبو سعيد الخدري : ومن تبرأ من حوله وقوته بالرجوع إلى الله تعالى يجعل له مخرجا مما كلفه الله بالمعونة له ، وتأول ابن مسعود ومسروق الآية على العموم ، وهذا هو الذي يقوى عندي . وقال أبو ذر : « قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم ، وتلا : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ قال : مخرجا من شبهات الدنيا ، ومن غمرات الموت ، ومن شدائد يوم القيامة » « 2 » . وقال أكثر المفسرين : نزلت في عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابنا له يسمى سالما فأتى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يشتكي إليه الفاقة ، وقال : إن العدو أسر ابني وجزعت الأم فما تأمرني ؟ فقال صلى الله عليه وسلم « اتق الله واصبر ، وآمرك وإياها أن تكثرا من قول : لا حول ولا قوة إلا بالله فعاد إلى بيته وقال لامرأته : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني وإياك أن نكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، فقالت : نعم ما أمرنا به فجعلا يقولان فغفل العدو عن ابنه فساق غنمهم وجاء بها إلى المدينة وهي أربعة آلاف شاة فنزلت الآية ، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم تلك الأغنام له » « 3 » وروي أنه جاء وقد أصاب إبلا من العدو ، وكان فقيرا . فقال الكلبي : إنه أصاب خمسين بعيرا ، وفي رواية فأفلت ابنه من الأسر وركب ناقة لقوم فمر بسرح لهم فاستاقه ، وقال مقاتل : أصاب غنما ومتاعا ، فقال أبوه للنبي صلى اللّه عليه وسلم : أيحل لي أن آكل مما أتى به ابني قال : نعم ونزل وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وروى الحسن عن عمران بن
--> ( 1 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي . ( 2 ) أخرجه الدارمي في الرقاق حديث 2725 ، والتبريزي في مشكاة المصابيح 5306 . ( 3 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي .